في ذكرى رحيل أم كلثوم.. مسيرة فنية صنعت تاريخ الطرب العرب

كارافان

تستعيد الذاكرة العربية واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في تاريخ الفن، في الثالث من فبراير من كل عام، حيث ذكرى رحيل صوت لم يكن الغناء لديه فعلًا فنيًا فحسب، بل رسالة وجدانية عبرت عن مشاعر أمة كاملة، إنها كوكب الشرق أم كلثوم، التي غابت عن عالمنا في 3 فبراير 1975، لكنها ظلت حاضرة بقوة إرثها الفني وصوتها الذي تجاوز الجغرافيا والزمن، ليصبح جزءًا أصيلًا من الوعي الثقافي العربي والعالمي.

قمة الطرب وصوت صنع وجدان أمة

امتلكت أم كلثوم صوتًا نادرًا جمع بين القوة والدقة والقدرة الفائقة على التحكم في التعبير والانفعال، وهو ما جعل أغانيها تتجاوز حدود الأداء إلى حالة وجدانية كاملة، وأسفر تعاونها مع كبار المبدعين عن أعمال خالدة مثل «أنت عمري» من ألحان محمد عبد الوهاب، «سيرة الحب» مع بليغ حمدي ومرسي جميل عزيز، و«الأطلال» التي تحولت إلى واحدة من أهم القصائد المغناة في التاريخ العربي، ولم تكن حفلاتها مجرد عروض غنائية، بل مناسبات ثقافية كبرى ينتظرها الجمهور شهريًا في القاهرة والعواصم العربية لساعات طويلة من الطرب الأصيل.

قدمت خلال مسيرتها أكثر من 320 أغنية، تنوعت بين العاطفي والوطني والقصائد الكلاسيكية، وشاركت في عدد من الأفلام الموسيقية التي عززت حضورها الفني، من بينها «وداد» (1936)، «نشيد الأمل» (1937)، «دنانير» (1940)، «عايدة» (1942)، و«فاطمة» (1947)، الذي كان آخر ظهور سينمائي لها.

حضور وطني وثقافي يتجاوز الغناء
 

لم يقتصر تأثير أم كلثوم على الفن، بل امتد إلى المجالين الثقافي والوطني، حيث تولت رئاسة نقابة المهن الموسيقية في مصر لمدة 7 سنوات، وأسهمت في الدفاع عن حقوق الفنانين وتعزيز مكانة الموسيقى، كما لعبت دورًا وطنيًا بارزًا بعد هزيمة يونيو 1967، حين تبرعت بعائدات حفلاتها لدعم الدولة المصرية، في موقف جسّد التزامها العميق بالقضايا القومية.
 

ألقاب صنعت أسطورة لا تتكرر

عكست الألقاب التي أطلقت عليها حجم مكانتها الاستثنائية، أبرزها «كوكب الشرق» الذي ارتبط باسمها منذ ثلاثينيات القرن الماضي، إلى جانب «سيدة الغناء العربي» و«سيدة الطرب»، بينما عرفها الجمهور بلقب «الست» تعبيرًا عن الاحترام والإجماع الجماهيري النادر، في حين وصفها الأديب نجيب محفوظ بـ«الهرم الرابع» في إشارة رمزية إلى ثقلها في الوجدان الم
 

حضور عالمي وتكريم مستمر

شكلت سيرة أم كلثوم مادة ثرية لعشرات الكتب والأبحاث والأعمال الوثائقية، كما تناولها المسلسل التلفزيوني الشهير «أم كلثوم» عام 1999، والذي رصد مراحل حياتها الفنية والإنسانية، وفي العام نفسه اختارت صحيفة لوموند الفرنسية أغنية «الأطلال» ضمن أفضل 100 عمل فني وأدبي في القرن العشرين، وفق استطلاع موسع.

وفي عام 2023 احتلت أم كلثوم المركز 61 في قائمة «أعظم 200 مطرب في التاريخ» الصادرة عن مجلة رولينغ ستون الأمريكية، وكانت المطربة العربية الوحيدة في القائمة، حيث وصفتها المجلة بأنها روح العالم العربي، وأشارت إلى استخدام المطربة بيونسيه أغنية «إنت عمري» ضمن تصميم جولتها الفنية عام 2016.


 

الحياة الخاصة والسنوات الأخيرة
 

شهدت الحياة العاطفية لأم كلثوم اهتمامًا واسعًا، وتلقت العديد من عروض الزواج، إلا أن زواجها الرسمي الوحيد كان من الدكتور حسن الحفناوي أستاذ الأمراض الجلدية وهي في الخمسين من عمرها، واستمرت حياتهما الزوجية نحو 25 عامًا، دعمها خلالها خاصة في فترات المرض، وفي سنواتها الأخيرة عانت من أمراض الكلى ومشكلات في العينين اضطرتها لارتداء النظارة السوداء، وسافرت للعلاج في أوروبا والولايات المتحدة، قبل أن تكون أغنية «ليلة حب» آخر أعمالها الغنائية على المسرح في 17 نوفمبر 1972
 

الرحيل وجنازة لم تتكرر

في 3 فبراير 1975 رحلت أم كلثوم عن عمر ناهز 76 عامًا إثر توقف القلب، وشيعت جنازتها من مسجد عمر مكرم بالقاهرة في مشهد مهيب شارك فيه ملايين المشيعين، لتصبح واحدة من أكبر الجنازات في تاريخ مصر والعالم، ودُفنت في مقابر الإمام الشافعي بالبساتين، ولا يزال ضريحها مزارًا لمحبيها من مختلف دول العالم، فيما تصدر خبر وفاتها عناوين الصحف العالمية.

رحلت أم كلثوم جسدًا، لكن صوتها ظل حيًا، يحمل الحب والحنين والقوة، ويؤكد أن الفن الحقيقي لا يعرف الغياب، بل يتحول إلى خلود يتجدد مع كل جيل.

تم نسخ الرابط