بذكرى رحيله الـ21.. أحمد زكي "الإمبراطور" صاحب الأداء الواقعي في السينما المصرية
تمر اليوم ذكرى رحيل الفنان الكبير أحمد زكي، أحد أعمدة الفن المصري والعربي، والذي رحل عن عالمنا في 27 مارس 2005 بعد صراع طويل مع مرض سرطان الرئة، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا ضخمًا لا يزال حاضرًا بقوة في وجدان الجمهور، حيث يُعد واحدًا من أبرز الممثلين الذين تميزوا بقدرتهم الفريدة على تقمص الشخصيات وتقديم أدوار شديدة العمق والواقعية جعلته في مصاف كبار نجوم الفن عبر التاريخ.
من الزقازيق إلى القمة.. رحلة صعود استثنائية
وُلد أحمد زكي متولي عبد الرحمن بدوي في 18 نوفمبر 1946 بمدينة الزقازيق، ليبدأ رحلة حياة مليئة بالتحديات منذ طفولته، إذ فقد والده بعد ولادته مباشرة، لتتزوج والدته لاحقًا ويتولى جده تربيته، وهو ما شكّل ملامح شخصيته القوية والمثابرة منذ الصغر، حيث التحق بالمدرسة الصناعية بعد حصوله على الشهادة الإعدادية، وهناك اكتشف شغفه بالفن بعدما شجعه ناظر المدرسة المحب للمسرح، ليبدأ أولى خطواته نحو حلمه الكبير.
وخلال إحدى الفعاليات المدرسية، حضر عدد من الفنانين من القاهرة، الذين لمسوا موهبته ونصحوه بالالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وهو ما تحقق بالفعل، حيث التحق بالمعهد وتخرج منه عام 1973 بتقدير امتياز، وكان الأول على دفعته، لتبدأ بعدها رحلة فنية استثنائية صنعت منه “الإمبراطور”.

بدايات مبكرة وتألق على المسرح والسينما
بدأ أحمد زكي مشواره الفني مبكرًا، حيث كانت أولى تجاربه في مسرحية “حمادة ومها” عام 1967 أثناء دراسته في المعهد، وقدّم خلالها تقليدًا مميزًا للفنان محمود المليجي، وهو ما لفت الأنظار إلى موهبته، قبل أن يشارك في مسرحية “هالوا شلبي” خلال فترة دراسته.
وعلى شاشة السينما، كانت بدايته من خلال فيلم “ولدي” عام 1972 أمام الفنان فريد شوقي، بينما جاءت انطلاقته الحقيقية نحو البطولة المطلقة من خلال فيلم “شفيقة ومتولي” عام 1978 أمام النجمة سعاد حسني، ليبدأ بعدها مرحلة من التألق الفني المتواصل.
كما تألق على خشبة المسرح من خلال أعمال جماهيرية بارزة مثل “مدرسة المشاغبين” و”العيال كبرت”، فيما لمع في الدراما التليفزيونية عبر مسلسلي “الأيام” و”هو وهي”، حيث قدّم في “الأيام” تجسيدًا مميزًا لشخصية عميد الأدب العربي طه حسين.
بصمة خالدة في السينما المصرية
قدّم أحمد زكي خلال مسيرته عددًا كبيرًا من الأعمال السينمائية التي أصبحت علامات بارزة في تاريخ الفن، حيث شارك في ستة أفلام تم اختيارها ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية عام 1996، ليحتل بذلك المرتبة الثالثة بين الممثلين الأكثر تواجدًا في هذه القائمة.
ومن أبرز هذه الأفلام: “البريء”، “زوجة رجل مهم”، “الحب فوق هضبة الهرم”، “إسكندرية ليه”، “أحلام هند وكاميليا”، و”أبناء الصمت”، إلى جانب مجموعة واسعة من الأعمال الناجحة مثل “ضد الحكومة”، “البيه البواب”، “أرض الخوف”، “كابوريا”، “النمر الأسود”، “الهروب”، و”أربعة في مهمة رسمية”.
كما قدّم أدوارًا شديدة التميز جسّد خلالها شخصيات تاريخية مؤثرة، حيث لعب دور الرئيس جمال عبد الناصر في فيلم “ناصر 56”، كما جسّد شخصية الرئيس محمد أنور السادات في فيلم “أيام السادات”، وقدم أيضًا شخصية العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ في فيلم “حليم”، وهو العمل الذي لم يتمكن من استكمال تصويره قبل وفاته، ليُعرض لاحقًا عام 2006.

تعاونات فنية مع كبار المخرجين
تميّزت مسيرة أحمد زكي بتعاونات قوية مع كبار مخرجي السينما المصرية، خاصة مخرجي الواقعية الجديدة، حيث عمل مع عاطف الطيب في أفلام “البريء” و”الهروب”، ومع محمد خان في “موعد على العشاء” و”العوامة 70” و”أيام السادات”، كما تعاون مع داوود عبد السيد في “أرض الخوف”.
كما اختاره المخرج يوسف شاهين للمشاركة في فيلم “إسكندرية… ليه؟”، وشارك أيضًا مع شريف عرفة في “اضحك الصورة تطلع حلوة” و”أيام السادات”، بالإضافة إلى تعاونه مع إيناس الدغيدي في “امرأة واحدة لا تكفي” و”إستاكوزا”.
حياة شخصية وعلاقات إنسانية
على الصعيد الشخصي، تزوج أحمد زكي من الفنانة الراحلة هالة فؤاد خلال الفترة من 1983 إلى 1986، وأنجب منها ابنه الوحيد هيثم أحمد زكي، الذي سار على خطى والده في مجال التمثيل قبل أن يرحل عن عالمنا في عام 2019.
وشارك هيثم والده في فيلم “حليم”، حيث جسّد شخصية عبد الحليم حافظ في مرحلة الشباب، في واحدة من أبرز اللقطات الإنسانية والفنية التي جمعت بين الأب والابن على الشاشة، رغم انفصال أحمد زكي عن زوجته قبل وفاتها.

جوائز وتكريمات تؤكد مكانته
حصد أحمد زكي العديد من الجوائز والتكريمات خلال مسيرته الفنية، حيث نال جائزة عن فيلم “طائر على الطريق” في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، كما حصل على جائزة عن فيلم “عيون لا تنام” من جمعية الفيلم، وجائزة عن فيلم “امرأة واحدة لا تكفي” من مهرجان الإسكندرية عام 1989، بالإضافة إلى جائزة عن فيلم “كابوريا” من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 1990.
وفي الاحتفال بمئوية السينما العالمية عام 1996، تم اختيار ستة أفلام من بطولته ضمن قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية، وهو إنجاز يعكس مكانته الكبيرة وتأثيره العميق في صناعة السينما.
النهاية المؤلمة.. رحيل بعد صراع طويل
في 27 مارس 2005، رحل أحمد زكي في القاهرة عن عمر ناهز 58 عامًا، بعد معاناة طويلة مع مرض سرطان الرئة، والذي أصيب به نتيجة التدخين بكثرة، وقد تم علاجه على نفقة الحكومة المصرية في الخارج، وتردد أنه فقد بصره في أيامه الأخيرة، إلا أنه فضّل إخفاء الأمر عن الجمهور.
ورغم رحيله، بقيت أعماله الفنية شاهدة على موهبته الاستثنائية، حيث نجح في تقديم شخصيات من قلب الشارع المصري، خاصة من الطبقات البسيطة، مبتعدًا عن النمط التقليدي لشخصية “الأفندي”، ليصبح نموذجًا فنيًا فريدًا لا يتكرر.